محمد جواد مغنية
69
في ظلال نهج البلاغة
اليه : اتجهت اليه . والضغائن : الأحقاد . والثوائر : جمع ثائرة أي العداوة . والأقران : من قرن الشيء بالشيء أي جمع بينهما . المعنى : ( الحمد للَّه الأول فلا شيء قبله ) أي لا ابتداء له ( والآخر فلا شيء بعده ) لا انتهاء له ، وتقدم ذلك مرات ( والظاهر فلا شيء فوقه ) الغالب بقدرته كل شيء ، ولا غالب له ( والباطن فلا شيء دونه ) العالم بالضمائر والبواطن ، ولا شيء يحول دون علمه بها ، أو الظاهر بآثاره فلا شيء أظهر من وجوده تعالى ، الباطن بحقيقته ، ولا شيء أخفى منها . ( مستقره خير مستقر ) . الضمير يعود إلى رسول اللَّه ( ص ) والمراد بمستقره بلده مكة المكرمة ( ومنبته أشرف منبت في معادن الكرامة ) . يجوز أن يكون المراد بالمنبت هنا مكة لأنها محل ولادته ، ويجوز أن يكون المراد نسبه الشريف ( ومماهد السلامة ) وهي المدينة المنورة حيث عاش فيها بسلام وأمان من أذى المشركين وشرهم ، وأقام فيها دولة الاسلام ، وأظهره سبحانه على الدين كله . ( قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار ) . عاش النبي ( ص ) في مجتمع تسوده الفوضى والفساد ، والضلال والانحلال ، ومع ذلك كان - منذ صباه - محبوبا بشمائله عند الكل ، وثقة عند الجميع حتى أسموه الصادق الأمين ، ولما بعث وأعلن الحرب على الشرك والفساد تنكر له الطغاة الأشرار ، وتألبوا عليه ، وازداد الطيبون الأبرار له حبا واخلاصا من يومه إلى يومنا هذا ، والى آخر يوم ، وفيهم قادة الفكر في أوروبا وأمريكا ( انظر ما نقلناه عنهم في كتاب : فلسفة التوحيد والولاية ، فصل محمد والقرآن ) . ( وثنيت له أزمة الأبصار ) . اتجهت الانظار إلى سيرته ورسالته في كل عصر ومصر ، لأنها تشع بالهدى والنور ( دفن به الضغائن ، وأطفأ به الثوائر ، ألَّف به إخوانا ) . ما اجتمعت للعرب كلمة في يوم من الأيام إلا على عهد محمد ( ص ) وبفضل اللَّه وفضله ، ولما هاجر إلى المدينة كان بين قبيلتيّ الأوس والخزرج حرب دامية ومتصلة ، فألغى النبي ( ص ) ما كان بينهما من حرب وخصومة ،